ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

96

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فصل شريف ونصّ لطيف في سبب الاختلافات الواقعة في الكشوف والأذواق اعلم أن سبب الاختلافات التي وقعت في الكشوف والأذواق حتى طعنوا فيهم وقالوا : لو كان كشفا صريحا وعلما صحيحا لما وقع الاختلاف بينهم ، فحملوا مسائلهم الكشفية على المسائل النظرية الفكرية التي هي تخطئ وتصيب ، هو عدم الاستشراق على أمهات الحقائق وأصول المقامات ، بل يتكلمون على تفاصيل منتقلين من بعض الفروع إلى بعض آخر ، فلذلك يقع الخلاف بينهم ويرد النقض عليهم ، ويبدوا حكم الحيرة « 1 » فيهم عند المحاققة ، كما يقع بين المتوسطين وأهل البدايات من

--> ( 1 ) قال الشيخ الشعراني : الحيرة في اللّه من كمال المعرفة به ، وهي سارية في العالم النّوريّ والنّاريّ والترابيّ ، لأن العالم ما ظهر إلا على ما هو عليه من العلم الإلهيّ ، وما هو في العلم الإلهيّ لا يتبدّل ، فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الروم : 30 ] الآية . فما فطر العالم إلا على الحيرة ، وذلك لأن المرتبة الإلهية تنفي بذاتها التقييد عنها ، والقوابل تنفي الإطلاق عنها ، ولا تشهد إلا صورتها من التقييد . فهذا هو سبب شدة الحيرة في الوجود ، ولا أحد أشدّ حيرة في اللّه من العلماء به ، ولهذا ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « زدني اللّهم فيك تحيّرا » ، ومع ذلك فأعلى ما يصل إليه العلماء باللّه تعالى من طريق نظرهم مبتدأ البهائم ؛ لأنها كغيرها مفطورة على الحيرة في اللّه عزّ وجل ، والإنسان يريد أن يخرج بما أعطاه اللّه تعالى من العقل والرؤية وإمعان النظر عن الحيرة التي فطر عليها ، فلا يصحّ له ذلك . وعلى هذا الذي قررناه الإشارة بقوله تعالى في حقّ قوم : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [ الفرقان : 44 ] . فإن التشبيه بالأنعام إنما هو في الحيرة لا في المحار فيه ، فليس ذلك نقصا في الأنعام ، والحيرة عمى بلا شكّ وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [ الإسراء : 72 ] ، أعني جاهلا بالذات . لا كما هو في الدنيا . ولذلك كان العارف المحقق عمرو بن عثمان المكي يقول في صفة العارفين : وكما هم اليوم يكونون غدا ، فعلم أن من طلب معرفة الذات من طريق الفكر والنظر كان مآله إلى الحيرة ، كما أن من طلب الواحد في عينه لم يحصل إلا على الحيرة ، فإنه لا يقدر على الانفكاك من الجمع والكثرة في الطالب والمطلوب ، وكيف يقدر على ذلك ، وهو يحكم على نفسه بأنه طالب ، وعلى نفسه بأنه مطلوب ، ومقام الواحد يتعالى أن يحلّ في شيء ، أو يحلّ فيه شيء ؛ لأن الحقائق لا تتغير عن ذاتها ؛ إذ لو تغيرت -